النويري

178

نهاية الأرب في فنون الأدب

ونظير هذه القصة ما فعل الأسير الذي أتى به إلى معن بن زائدة في جملة الأسرى فأمر بقتلهم ؛ فقال : أتقتل الأسرى عطاشا يا معن ؟ فأمر بهم فسقوا ، فلما شربوا قال : أتقتل أضيافك يا معن ؟ فخلَّى عنهم . ومن المكايد المشهورة حكاية قصير مع الزّبّاء ، وسنذكرها إن شاء اللَّه في التاريخ في أخبار ملوك العرب ، وواقعة ملك الهياطلة مع فيروز بن يزدجرد ، ونذكرها أيضا في أخبار ملوك الفرس . ومن المكايد خبر عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة مع معاوية بن أبي سفيان ، وكان معاوية قد كتب اليهما واستقدم عمرا من مصر والمغيرة من الكوفة ؛ فقال عمرو للمغيرة : ما جمعنا إلا ليعزلنا ، فإذا دخلت عليه فاشك الضعف واستأذنه أن تأتى الطائف أو المدينة ، وأنا إذا دخلت عليه سأسأله ذلك فإنه يظن أنّا نريد أن نفسد عليه . فدخل المغيرة على معاوية فسأله أن يعفيه فأذن له ؛ ودخل عليه عمرو وسأله ذلك ؛ فقال معاوية : قد تواطأتما على أمر وإنكما لتريدان شرّا ، ارجعا إلى عمليكما . وكتب المغيرة بن شعبة إلى معاوية حين كبر وخاف العزل : أما بعد ، فإنه قد كبرت سنّى ، ودقّ عظمى ، وقرب أجلى ، وسفّهنى رجال قريش ، فرأى أمير المؤمنين في عمله موفّق . فكتب اليه معاوية : أمّا ما ذكرت من كبر سنّك ، فإن سنّك أكلت عمرك . وأما اقتراب أجلك ، فإني لو كنت أستطيع أن أدفع المنيّة عن أحد لدفعتها عن آل أبي سفيان . وأما ما ذكرت من العمل ف ضحّ قليلا يدرك الهيجا [ 1 ] حمل وأمّا ما ذكرت من سفهاء قريش ، فإنّ حلماء قريش أنزلوك هذا المنزل . فاستأذن معاوية

--> [ 1 ] وكذا في اللسان . وضح قليلا : تأنّ قليلا ولا تعجل . وهو شطر بيت ورد في شرح القاموس هكذا : لبّث قليلا يلحق الهيجا حمل ما أحسن الموت إذا حان الأجل وقائل البيت حمل بن بدر ، وقيل حمل بن سعدانة الصحابي .